(تابع قصة حرف) (10) ( الْبَوحُ أَبعَدُ فى مَداهُ مِن الحرُف ) ... بقلم عَابِرُ سبيل د.مهندس / إياد الصاوى
جَاءَنِى حَرفِى يَتوكَأُ على عَصا التقصِير ... فَهو كَسِير .. ويَترَدَّدُ نَظرُه بينى وبينَ الأرضِ فهو حَسير ... !!!
فقلتُ : مالَك ؟! ... فقال: أَسير !!
أعيَانى البيانُ عن التِبيان .. فقهقهتُ حتىٰ علا ضَجيجى .. وقلتُ : اليومَ اَسبِرُ غَورَهُ .. إما أن أكونَ حَجيجهُ أو يكونَ حَجيجى !! .... فقال : وَيلٌ للشَّجىِّ مِن الخَلِىِّ !!
قلتُ : اجلس وَدعنا نتناولُ الشرابَ ... لئلا يختلطَ علينا الماءُ بالسَّرابِ .. !!
قلتُ : ما تُحبُّ ؟! ... قال : الرُّضَاب .. !!
قلتُ : رُضابُ مَنْ ؟؟!! ...
قالَ : مَن حَنينُها أولُ الحُروف .. ورِقَّتها شَهدٌ موصوف... لها إلهاءٌ وحتُوف .. وعيناها اشدُ من طعنِ السيوف .. وجمالها أصلُ مَنبِتها معروف. ... البوحُ أبعدُ فى مداهُ مِن الحروف ..
اسمٌ
إذا ما صافحَ الأسماعَ يوماً ** تبسمتِ الضمائرُ والقلوبُ
قلتُ : ها أنت قد ألغزت .. وفى بيانك قد اعجزت !!
ألا تتكلم كلاما جيد الطبعِ .. مقبولٌ فى السمعِ .. قريبَ المِثَال .. بعيدَ المنالِ .. أنيقَ الديباجة .. رقيقَ الزجاجة .. يدنو من فهم سامعه .. كدنُّوهِ من وهمِ واضِعه .. !!!!
قال : الم تسمع حين قالت : قد أكثرت ؟!!! ...
قلتُ : فما كان جوابك ؟! .. قال : قلتُ بل قصَّرّتُ ...
فضَحِك مُستغرِبا .. ثم أنشدَ مُطرِبا :
أَتقتُلُنى ظُلماً وَتجحَدُنى قتلى ** وقد قَام لى من عينيك شاهدىِّ عدلِ
أغارُ على قلبى فلما أتيتهُ ** أطالبهُ فيه أغارُ على عقلى
إذا جئتُها صدَّت حياءً بوجهِها ** فتهجرنى هجراً ألذُّ من الوصلِ
أقولُ لقلبى كلما ضَامَهُ الأسىٰ ** إذا ما أبَيتَ العزَّ فاصبر على الذُلِّ
وجدتُ الهوىٰ نصلاً لقلبى مُغمَدا ** فجَردتُّه ثم اتكيتُ على النَّصلِ
ثم صرخَ يا ويلاااااااه. ... فأيقنتُ أنهُ أوَّاه !!
فأحببتُ أن أُخفِفَ عنهُ الكَمد ... وأن أحمِلَ عنهُ بعضَ ما يجد ..
فقلتُ : هل لكَ فى السِّجال ؟! ... فنقضى الليلةَ بوصال .. فكأنَّما نَشِط من عِقال ..!!
وقلت الليلة أعلمُ خبَره . ... وإلى اى مدى ينتهى طوره ...
فقلتُ :
بزمامِ الهوىٰ أمتُّ إليهِ ** وبحكم العُقَارِ أقضى عليهِ
ناولَ الكأسَ واستمالَ بلحظٍ ** فسقتنى عيناهُ قبل يديهِ
فأعرضَ مُبتسما. .. ثم أنشد مُترنِّما :
من لم يمتْ عبطةً يمتْ هَرما ** الموتُ كأسٌ والمرءُ ذائقُها
كأنَّما باتَ ناعماً جَزِلاً ** فى جنة الخُلدِ من يُعانِقُها
فجاوبتُه :
معذبتى رِفقَاً بقلبِ مُعذَّبِ ** وإن كان يرضيكِ العذابُ فعذبى
فتبسَّم تَبسُّم سَاخِر .... وأجابَ :
هتكَ الحجابُ عن الضمائر ** طرفٌ به تُبلى السرائر
يرنو فيمتحنُ القلوبَ ** كأنه فى القلب ناظر
يا ساحراً ما كنت اعرفُ. ** قبله فى الناسِ ساحر
فقال : ألستَ ترى ما فى العُيون من السَّقم ؟؟! .. لقد نحل المعنى المُدفَّقُ من جِسمى ..
فقلتُ من غيرِ توانى : عَوذّهَا بالسَّبعِ المثانى .
ياسالبَ القلبِ منى عندما رَمقا ** لم يبقَ لى حبك صبراً ولا رمقا
لا تسألِ اليومَ عما كابدت كبدى ** ليتَ الفِّراقَ وليت الحبَّ ما خُلِقا
يا من تجلى إلى سرى فصيرنى ** دكاً وهزَّ فؤادى عندما صعقا
فانتهىٰ إلىَّ ... وهزَّ منكبىَّ .. وقال :
الجسمُ فى بلدٍ والروح فى بلدِ
يا وحشةَ الروحِ بل يا غربةَ الجسدِ
إن تبكِ عيناكَ لى يامن كُلِفتُ بهِ
من رحمةٍ ، فهما سهمانِ فى كبدى
فقلتُ : أليسَ لها من وصفٍ ناجِز ؟؟!! .. فقال : سبحانَ اللهِ !! .. ألستَ ترانى أتوكأ على عصا عاجِز ..
فقلتُ : ألقِ عصاكَ .. واصدع بهواكَ ...
أهوىٰ رشا رشيَّق القدِّ حُلى ** قد حَكَّمهُ الغرامُ والوجدُ علىَّ
إن قلت خذِ الروحَ يقل لى عجبا ** الروحُ لنا فهاتِ من عِندكَ شي
فغَلبنى بِسحرهِ. .. وأيقنتُ أمره
وقضيتُ الليل َ معهُ فى سمر .. آنقُ من حديقةِ زهر ...
فقال : هذا اوانُ السلوان ... وآن انبلاجُ الفجر وحان .... وجعل يقول :
باتَ عليلاً يحتويه الجوىٰ ** قلبٌ بنارِ الشوقِ قد اكتوىٰ
يُكَفكِفُ الدموعَ من حُرقَةٍ **. ويحتسى فى البُعدِ خمر الهوىٰ
ثم ناداها كما ينبغى ( دعينى اُحبكِ كما أشتهى ) .... وَتوجَّعَ وأنا أرمُقه ... وصاحَ وصوتُهُ يسبقُه
أدعو الذى صرف الهوى. **. منى إليكَ ومنكَ عنِّى
أن يبتليكَ بما ابتلانى. **. أو يَسُلَّ الحب مِنِّى
ثم اغرورقت عيناهُ بالدموع .. فَكَرِه أن يستوكِفَها .. ولم يملِك أن يُكَفكِفَها .... !!!
فَقَطعَ إِنشَادَهُ المُستَحلَىٰ ... وَأوجَزَ فى الوداعِ وَوَلَّى ٰ....